ابن الأثير
530
الكامل في التاريخ
ثم عادوا إلى المهديّة ، وتمادى رافع في المخالفة لعليّ ، وجمع قبائل العرب ، وسار بهم ، حتّى نزل على المهديّة محاصرا لها ، وخادع عليّا ، وقال : إنّني إنّما جئت للدخول في الطاعة ، وطلب من يسعى في الصّلح ، وأفعاله تكذّب أقواله ، فلم يجبه عن ذلك بحرف ، وأخرج العساكر ، وحملوا على رافع ومن معه حملة منكرة ، فألحقوهم بالبيوت ، ووصل العسكر إلى البيوت ، فلمّا رأى ذلك النساء صحن ، وولولن ، فغارت العرب ، وعاودت القتال ، واشتدّ حينئذ الأمر إلى المغرب ، ثم افترقوا ، وقد قتل من عسكر رافع بشر كثير ، ولم يقتل من جند عليّ غير رجل واحد من الرّجّالة . ثم خرج عسكر عليّ مرّة أخرى ، فاقتتلوا أشدّ من القتال الأوّل ، كان الظهور فيه لعسكر عليّ ، فلمّا رأى رافع أنّه لا طاقة له بهم رحل عن المهديّة ليلا إلى القيروان ، فمنعه أهلها من دخولها ، فقاتلهم أيّاما قلائل ، ثم دخلها ، فأرسل عليّ إليه عسكرا من المهديّة ، فحصروه فيها إلى أن خرج عنها ، وعاد إلى قابس ، ثم إنّ جماعة من أعيان إفريقية ، من العرب وغيرهم ، سألوا عليّا في الصلح ، فامتنع ، ثم أجاب إلى ذلك ، وتعاهد عليه . ذكر الوحشة بين رجّار والأمير عليّ كان رجّار ، صاحب صقلّيّة ، بينه وبين الأمير عليّ ، صاحب إفريقية ، مودّة وكيدة ، إلى أن أعان رافعا كما تقدّم قبل ، فاستوحش كلّ منهما من صاحبه ، ثم بعد ذلك خاطبه رجّار بما لم تجر عادتهم به ، فتأكّدت الوحشة ، فأرسل رجّار رسالة فيها خشونة ، فاحترز عليّ منه ، وأمر بتجديد الأسطول ، وإعداد الأهبة للقاء العدوّ ، وكاتب المرابطين بمرّاكش في الاجتماع معه على الدخول إلى صقلّيّة ، فكف رجّار عمّا كان يعتمده .